صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
22
شرح أصول الكافي
ظهوره واختفى عن البصائر باشراق نوره . وأيضا الأشياء قد يستبان باضدادها ، وما عم وجوده وشموله حتى لا ضدّ له كأصل الوجود عسر ادراكه ، فلولا غروب لنور الشمس ولا احتجاب له عن بعض مواضع الأرض لكنا ظننا ان لا هيئة في الأجسام الا سطوحها وألوانها ، ولكن لما غابت الشمس واظلمت بعض مواضع الأرض « 1 » أدركنا تفرقة بين الحالين وعرفنا وجود النور بعدمه عند الغروب ، ولولا عدمه ما كنا نطلع عليه الا بعسر شديد ، هذا مع أن النور اظهر المحسوسات . فاللّه سبحانه ، هو اظهر الأشياء وبه ظهرت الأنوار كلها ، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدمت الأرض والسماء ولانعدمت الأشياء كلها وبطل الملك والملكوت ولا دركت به تفرقة بين الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لا دركت التفرقة في الدلالة ، ولكن وجوده دائم في الأحوال ودلالته عامّة على نسق واحد في الأشياء فلا جرم أورث شدة الظهور خفائه . فهذا هو السّبب في قصور الافهام . واما أقوياء البصائر والعقول فإنهم شاهدوه وعلموا انهم شاهدوه وعلموا انّه ليس في الوجود الا اللّه تعالى ، وافعاله اثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له فلا وجود للآثار بما هي آثار ، وانما الوجود بالحقيقة للواحد الحق الذي به وجود الافعال ، ولا وجود للفعل بما هو فعل الّا بالفاعل ، والعالم كلها افعال اللّه تعالى فقط ، لا بمعنى ان وجود كل منهما شيء وكونه فعلا للّه شيء اخر غيره ، لا بالذات ولا بالاعتبار . فمن نظر إليها من حيث إنها فعل اللّه ، لم يكن ناظرا الّا في اللّه ولا عارفا الا باللّه وكان هو الموحد بالحق « 2 » الذي لا يرى الا اللّه ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنه عبد اللّه ، فهذا المستغرق في الشهود وهو الذي يقال إنه فنى في التوحيد وانه فنى عن نفسه ، وإليه الإشارة بقول من قال : كنا بنا فغبنا عنا فبقينا بلا نحن . فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الافهام عن دركها وقصور عبارات العلماء بها عن إيضاحها وبيانها مع سائر الأسباب من جحود الظاهريين من العلماء وانكار أهل الجدل والبحث على من نطق به ، ومن انس الانسان منذ الصبى عند فقد العقل بالمدركات والمحسوسات التي كلها شواهد على اللّه لا بما هي شواهد ، فيبدو فيه غريزة العقل
--> ( 1 ) - بعض المواضع - م - ط . ( 2 ) - الموجود الحق - م - د .